بــقـلـم
ثابت أمين عواد
في الوقت الذي يشهد فيه العالم تصاعد اعمدة دخان الحروب وغبار المواجهات الحربية والاقتصادية والتجارية وتأثيراتها السلبية على كافة الدول، تشهد منطقة “أبو صوير” بالاسماعيلية، بهدوء الموحدين وصمت العلماء، تفاعلات ونجاحات لخطط وبرامج التنمية الزراعية الحديثة، معتمدة على الطاقات المتجددة.
ويبدو ان ثلاثية “البيئة والتنمية والطبيعة”، التي وضعها الأب الروحي للتنمية المستدامة العالم د. محمد القصاص، واعتبرها أركان التنمية المستدامة، شرطا لتحقيق الرفاه الاقتصادي والعدالة الاجتماعية دون في ظل نظام بيئي سليم متكامل تغذيه الموارد الضرورية للبقاء.
ومن المؤكد ان هذه الثلاثية شكلت المنطلق لمصطلح”الجسور الخضراء” الذي صاغه الراحل د. صلاح عرفة، أستاذ الفيزياء بكلية العلوم والهندسة بالجامعة الأمريكية، ويهدف الربط بين أضلاع مثلث جودة الحياة الثلاث وهم: “العلماء، والجامعات، والمجتمع”، لنشر المعرفة بأهمية الاستثمار البيئي المستدام، عبر إعادة صياغة العلاقة مع الأرض بمكوناتها الثلاث: “التربة والماء والهواء”، وهذه العلاقة بدورها تعتمد على مبدأ العودة الي الزراعة، ولا تغفل المعايير الخاصة بـ العمارة الخضراء.
في منطقة أبو صوير، جنوب غرب الاسماعيلية، هناك معملا بحثيا زراعيا متكاملا، أسس نموذجا للعلاقة التكاملية بين البحث والتطوير والتعليم، على مساحة 16 فدانا، وهذه المساحة، التي تضيق أمام الاستثمار الزراعي التقليدي، أقيم عليها معملا حقليا يعكس ما يقوله الكتاب، وغير الكتاب، حول الزراعة الذكية غير التقليدية، وتعامدها مع البيئة والتنمية المستقبلية، فهو يعمل بواسطة الطاقة الجديدة والمتجددة، وطاقة الرياح، ويستخدم الطاقة الحيوية “بيوجاز”، لتحويلها الي طاقة خضراء، في ظل مجتمع علمي بيئي متخصص داخل مبان العمارة البيئية.
هذا المعمل البحثي، يعتمد فقط على مصادر الطاقة النظيفة أينما كانت، من مصادر شمسية وطاقة من الرياح والطاقة الحيوية، كما تتنوع فيه المحاصيل، وكذلك تتعدد فيه سبل الإنتاج الحيواني من طيور وماشية وأسماك، معتمدا على الماء عبر تحلية مياه الأبار، باستخدام محطات تحلية المياه بالطاقة الشمسية، مع طاقة الرياح ليلا..هي بمثابة مزرعة عضوية متكاملة، غايتها اقامة مجتمع بيئي نظيف متكامل متجانس مكتفي ذاتيا عبر منتجاتها الصديقة للبيئة المعتمدة على مفردات الطبيعة ومخرجاتها، مطبقا مبدأ الاستدامة البيئية.
ولعل موسم الهجرة إلى الداخل، هو في الحقيقة هجرة وعودة إلى الطبيعة، عودة إلى الزراعة التي هي في جوهرها أهم قطاعات التنمية على الاطلاق، كما يشير المهندس حاتم الرومي، أمين عام جمعية مجلس علماء مصر، رئيس مجلس أمناء “مزرعة الريف البحثي”، مضيفا ان عودة الاهتمام بالأرض واستثمار التربة بواسطة التقنيات الحديثة وتطبيق طرق الزراعة الذكية، اصبح منطلقا للفلاحين والمزارعين في “أبوصوير” عبر الزراعة الحيوية، وإعادة العلاقة مع الأرض والتربة والماء والهواء، اعتمادا على الطاقة المتجددة لحل مشكلات الزراعة، سواء في استنباط سلالات جديدة للثمار، وأيضًا في تطبيق تقنيات حديثة لإدارة المياه ووسائل الحصول عليها واستخدامها في تطبيقات، تزيد مستوى جودة وحجم المحصول، كما تساعد على معالجة التحديات الاجتماعية والبيئية في قطاع الزراعة وإنتاج الغذاء المستدام، وزيادة الإنتاج، والقدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ.
وتعد تقنيات الذكاء الاصطناعي والمحاكاة أحد أهم المحاولات لمعالجة متغيرات المناخ، لتساهم بشكل فعال ومتسارع في معالجة معضلات الزراعة معتمدة على أحدث الوسائل والبرامج فائقة التقنية، وأهمها نظام إمداد الطاقة المتجددة، بإعادة تدوير المياه المستخدمة للري بنسبة 100%، كما يتم إعادة تدوير التربة المستخدمة في الزراعة واستخدامها للزراعة التقليدية، مع تقنيات استنبات بذور الأعلاف واستخدامه كعلف حيوانى بقدرة إنتاجية عالية
لم تهمل “جمعية “كتاب البيئة والتنمية”، هذا التطور العلمي اللافت في “مزرعة الريف البحثية”، وبادرت، كما يوضح رئيسها د. محمود بكر، الي توسيع قاعدة شركائها من المجتمع الأكاديمي، باقامة تعاون مشترك، غرس مفهوم الاستثمار في التنمية البشرية والبيئية، عبر التعليم والمعرفة، باعتبارهما أولى الخطوات المؤسسة للتنمية المستدامة وزراعة حيوية لكل صحراء مصر.
أدرك المهندس الرومي أن العالم يواجه قلة الغذاء وندرة المياه، وهي تحديات تتلامس مع أزمات المناخ، وانبعاثات الكربون، ليصبح تطوير الأنماط الزراعية، مهمة مصيرية للمبادرات والبرامج البحثية والتطبيقية بالمزرعة،، معتبرا ان الطاقة المتجددة هي الحل الذي يقلل الانبعاثات الكربونية، فضلا عن الاعتماد على الذات، باعتبارها في صدارة الأولويات.
لانحتاج الي حلم بل نحن في حاجة الي اليقظة، وهذه اليقظة يستمدها الناس وتوفرها الشمس لمصر من المناطق الغنية في احتوائها على الطاقة الشمسية، حيث تقع جغرافيًا، فيما يعرف بـ الحزام الشمسي، وهناك 14 مصدرًا لمفهوم الطاقة المتجددة، بدءًا من الطاقة الشمسية، والرياح، وطاقة المياه، وصولا للماشية والدواب والثروة الحيوانية الغنية بالطاقة الحيوية، ومعها المخلفات الزراعية.
ومن منطلق الاستدامة، وتنشيط وتطوير الوعي البيئي، أطلقت “جمعية كتاب البيئة والتنمية”، و”مزرعة ريف البحثية”، مسابقة صحفية حول الطاقة المتجددة والتنمية المستدامة، تحت عنوان “مسابقة ريف للتنمية المستدامة – مصر 2030″، في إطار التعاون بين المزرعة البحثية والجمعية لدعم الوعي بقضايا البيئة والتنمية المستدامة، وذلك خلال زيارة أعضاء من الجمعية للمزرعة البحثية، وتم خلالها التعرف على أهم الأنشطة والمشروعات التي يتم تنفيذها، ولعل استخدام مايعرف ب الوقود المزروع أو “الوقود الحيوي – Biofuel”، هو التحدي المقبل الذي يتجه لتطبيقه علماء المزرعة البحثية، باستخدام المحاصيل والمواد النباتية، مثل قصب السكر والذرة والزيوت النباتية لانتاج الطاقة الحيوية بديلاً فعالاً للوقود الأحفوري، حيث يتم تحويل المواد العضوية عبر عمليات كيميائية أو تخميرية إلى وقود سائل أو غازي لوسائل النقل..هي عودة للطبيعة وفي مضمونها عودة الي مصر.. ثابت أمين عواد
a_thabet@hotmail.com

