كتب / ثابت أمين عواد
“الحفاظ على القدرات العلمية والبحثية الوطنية وتعزيزها، واستمرارية البرامج البحثية الجارية، والخدمات المقدمة للمزارعين والمنتجين الزراعيين، ليتعارض مع عملية تطوير أو تحديث للبنية المؤسسية للبحث العلمي الزراعي، الذي هو ركيزة أساسية للأمن الغذائي والتنمية الزراعية المستدامة”..
هذه الفقرة كانت أحد أهم توصيات “الدورة الثانية عشر للمندي الوطني للتنمية المستدامة”، الذي عقد بالقاهرة أوائل الشهر الحالي، حول ما يثار لنقل “مركز البحوث الزراعية”، من مقره الحالي بالجيزة، وعزله، بأجهزته ومعاملة وعلمائه وباحثيه” 30 ألف باحث” إلي صحراء دهشور.
مؤكد أن متخذ هذا القرار، لديه اليقين بأن مصر، باعتبارها مهد الزراعة المنظمة عالمياً، والمبتكرةً لأنظمة الري المتطورة، وهي مصدر أول تقويم زراعي دقيق، فضلا عن تعليمها للعالم أسس الزراعة، وإدارة الفيضانات، وتخزين المحاصيل، فهي بما حققته من إنجازات للكوكب وساكنيه، تستطيع، أن تنشئ مركزا جديدا في الصحراء الجديدة، خلال وقتا قياسيا.. هكذا التصور الأقرب للمنطق الواقعي لقرار نقل المركز..
نعم قد يكون واردا مثل هذا التصور، إلا أن ما يستغرقه وقت إقامة المركز الجديد من وقت لرسم وإعداد التصور العلمي والهندسي والطبوغرافي، وعمليات الإنشاء والتجهيز للمركز المقترح، سيستغرق 20 سنة على الأقل، من العمل المتواصل، إضافة الي سنوات أخرى لإعادة إنشاء أراضي زراعية تجريبية وصوب ومعامل جديدة في أرض صحراوية جديدة، والتساؤل هو: “هل لدينا ترف إهدار ما يزيد على العشرين عاما لإنشاء هذا المركز الجديد، في الوقت الذي نسعى خلاله لاستثمار هذا الوقت لاستمرار التنافسية والسبق في عالم رقمي لا ينتظر احد.
لن نضيف جديدا حول ريادة القدماء المصريون في الزراعة، فقد ابتكروا طرقاً للتحكم في مياه النيل ونقلها، وهو ما يعد ركيزة أساسية في تاريخ الزراعة، وتنظيم العمل، حيث كانت مصر أول دولة تنظم الزراعة بناءً على مواعيد محددة ووضعوا أساس التقويم الزراعي، فضلا عن تنوع المحاصيل، فقد زرعوا محاصيل أساسية مثل القمح والشعير “للغذاء” والكتان والبردي “للصناعة”، إضافة إلي التوثيق والبحث، حيث نقلت صور القدماء عمليات الحرث والري والحصاد على جدران معابدهم، وبناء تقويماً زراعياً دقيقاً، فقد كانت مصر أول دولة تنظم الزراعة بعد وضعت توقيتات للزراعة تناسب المحاصيل وتغيرات الطقس.
وبالرغم مما ذكره، احد الباحثين من جامعة الإسكندرية، حول تجربة نقل مركز البحوث الزراعية بالإسكندرية، إلي منطقة أبيس لإقامة جامعة الإسكندرية الأهلية علي مساحة 560 فدان عام 2022، إلا إن الأمل كان، ومازال، يراود المشاركون بالمنتدى، ولعل هناك من يحمل آمالا أو وعودا سارة لأهل مركز البحوث الزراعية والمجتمع العلمي في مصر، خاصة وان قرار تنفيذ النقل لم ينفذ أو يفعل بعد، فمازال هناك أمل ورجاء ينتظره الوطن وأبنائه.
من بين المبادرات التي شهدها المنتدى، وهي مهمة في شمولها وأهميتها باعتبارها صادرة من خبراء متخصصون، كانت المبادرة المقترحة إنشاء “وحدة” او “منصة رقمية” لنهر النيل، من منطلق أن “النيل” بمياهه وحوضه، بضفتيه ومجراه، بتاريخه وتضاريسه، بناسه وحراسه، يستحق أن ننشأ له “منصة معرفية إعلامية رقمية”، تليق بنعمة النيل وموارده التي مازالت تمنح لنا الروح عبر قطرات تتدفق سحرا وحياة ونماء.
فقد عرض، خلال الفعاليات، اقتراحا بإنشاء “وحدة”، أو “مرصد”، أو “بنك معلومات” او “منصة”، أهلية، بمساندة رسمية، تشكل بمثابة قاعدة أخبار ومعلومات تحليلية تقدم يوميا تقريبا، إحاطة معرفية خبرية عن حال النهر وأحواله، عن أمن مياهه ومصادر أمان ضفتيه، هي بمثابة إحاطة “ Briefing” يستفيد منها الخبراء والمجتمع المدني ومتخذ القرار، تعزز الإلهام نحو الرأي العام الوطني، وهو اقتراح يحتوي رصدا لحال النهر ومنسوب المد والجذر، والمشروعات المقامة عليه، والمشروعات المتوقعة، ومدي تأثر المشروعات المقامة عليه وحالها، في صورة بنكا للمعلومات عن كل ما يحدث قريب منه او بعيدا، والمؤثرات المباشرة وغير المباشرة الانية والمستقبلية، لتشكل، هذه المبادرة، نسيجا مترابطا لكيانات المجتمع المدني في مصر ونظيرتها في دول الحوض.
الدافع لتلك المبادرة هو اتجاه الدولة العام و استراتيجيتها نحو التحول الرقمي، وفي الصدارة “الإدارة الرقمية لموارد المياه”، وخاصة نهر النيل، إضافة إلي “الزراعة الذكية”، وكلاهما يتمثل في دمج التقنيات الحديثة مثل تطبيقات شبكة المعلومات الدولية “الإنترنت”، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة “الدرون” في إدارة المزارع، وزيادة الإنتاجية، وترشيد الموارد، حيث تتيح هذه التقنيات الرقمية اتخاذ قرارات دقيقة بناءً على البيانات، مما يعزز الاستدامة، كما يقلل ميزانيات التمويل في الطاقة والجهد والتكلفة، فضلا عن تطبيق مبدأ الحوكمة “Governance”.
أهل الاستدامة وعلمائها وخبراء التنمية، في نهاية فعاليات المنتدى، يتمسكون بتفاؤل العقل، حيث يتوقعون أن يحمل ما تردد من حوارات حول المركز الحالي، الكثير من الفوائد، مثل إعادة تنشيط مجتمع المركز العلمي، وابتكار وسائل أكثر تطورا لعمل باحثيه، والبحث عن كل ماهو جديد في المنطقة والعالم لتطبيقه بما يتناسب والبيئة المصرية، فضلا عن تجديد الأجهزة والمعامل المختبرات، وتظل مسألة زيادة التمويل لميزانية البحث امرأ له الأولوية، لتستمر إسهامات مصر “العلمية الزراعة” في مكانها ومكانتها المرجوة.
ثابت أمين عواد
a_thabet@hotmail.com

