الرئيسيةكتاب البيئةحرب الإبادة البيئية
كتاب البيئة

حرب الإبادة البيئية

كتب / ثابت أمين عواد 

 

دائما هناك ضحية جديدة ومتجددة للحروب، بعد الروح الإنسانية.. البيئة، فهي أكبر الضحايا وأكثر الخاسرين، باعتبارها الضحية المرئية وغير المرئية الناتجة عن تلك الحروب، وتتعاظم خسائرها أثناء وبعد انتهاء الحروب، إذ تتعافي الكائنات المصابة، الا البيئة التي يتزايد نزفها ويتمدد دمارها مع مرور الوقت.
علي مدي القرنين الماضيين، كانت الولايات المتحدة، ومازالت، هي مصدر الحروب والتدخلات منذ بداية تدخلها في فيتنام وصولا إلى كوريا الديمقراطية، مرورا بأفغانستان وسوريا، حيث بلغت الحروب التي شنتها وشاركت فيها أكثر من 200 حرب.
ومنذ عام 2001، واصلت الولايات المتحدة شن الحروب تحت شعار “مكافحة الإرهاب”، راح ضحيتها نحو 900 ألف شخص في أفغانستان والعراق وليبيا وغيرها، وكذلك الحروب الراهنة في فلسطين وإيران ولبنان وسوريا، يضاف اليها خسائر البيئة والنظام الإيكولوجي للطبيعة وما يتبعه من تلوث الهواء والتربة والمياه الجوفية واختلال التنوع البيولوجي، حتي تولد ما يعرف بظاهرة “الإبادة البيئية – Ecocide”، وهي التدمير المتعمد للنظم البيئية، الذي بدوره يلحق أضراراً جسيمة طويلة الأمد بالحياة البرية، والموارد المائية، والتربة، وصحة الإنسان، و تصنف دولياً كجريمة جنائية يحاسب المسؤولون عنها باعتبارها تدمير منهجي للطبيعة.
ونظرا للمخاطر الجسيمة التي تتعرض لها البيئة، شرعت العديد من الدول لإصدار تشريعات تسعى لحماية البيئة والطبيعة، مثل “قانون الإبادة البيئية”، كما حدث في اسكتلندا، شمال بريطانيا، حيث حظي مشروع القانون، بدعم ساحق من مختلف الأحزاب، حتى أجهزة الاستخبارات البريطانية تحذر من أن انهيار النظم البيئية يهدد الأمن القومي، وتتسابق، العديد من الدول، لإعداد هذا القانون، مثل فرنسا والبرازيل والمكسيك. اما في منطقتنا العربية، فحدث ولا حرج عما تتعرض له البيئة بسبب الحروب الصهيونية الامريكية، وعلي الجانب الآخر، تتراجع البنية التشريعية والقانونية عن مواكبة الدمار والأضرار الذي تتعرض له الطبيعة، سواء في السلم نتيجة بعض المشروعات التنموية، أو بسبب الحروب واستهداف الحياة كما يفعل جيش الاحتلال الصهيوني من استهداف للطبيعة وللبيئة وللبشر ولكافة الكيانات.

احدث تلك الاستهدافات، كانت الناشطة اللبنانية، عالمة البيئة البحرية “منى خليل”، التى استشهدت بعد إصابتها في غارة صهيونية استهدفت بيتها بمدينة صور جنوب لبنان، واشتهرت باعتبارها “محامية للسلاحف”، في بيتها المعروف ب “البيت البرتقالي” وهو المكان الذي اكتشفت فيه السلحفاة البحرية لتبدأ حياتها الجديدة دفاعا عن السلاحف.

قامت الشهيدة “76 عاما”، بتدريب أجيالًا من المتطوعين في مجال حماية البيئة، وعلّمتهم كيفية حماية البيض من الثعالب وغيرها من الحيوانات، ومن السيارات التي تقتحم الشاطئ، وسعت لاستئجار صيادين محليين لصيد السلاحف، وخلال موسم التعشيش، كانت أول من يقوم مراقبة السلاحف الصغيرة على طول الشاطئ، فقد كان حوارها مع الطبيعة ومكوناتها، لكنها لم تعلم ان للطبيعة، ولها، أعداء لم يدرك الكوكب مدى قبحهم وانحطاطهم.
بعد استهداف الصهاينة الشعب الفلسطيني، والتركيز على الأطفال والنساء، يستهدفون الصحفيين، ونشطاء وعلماء البيئة، فقد حدث ذلك مؤخرا واغتالوا “مني خليل”، تزامنا اليوم العالمي للبيئة، هكذا يحتفل الصهاينة بالقتل وسفك الدماء، فقد أغارت قوات الاحتلال على منزلها، وأصيبت بجروح خطيرة، لتفارق روحها الي بارئها بعد أسبوعين من اصابتها، متأثرة بجراحها.
يبدو ان العدو الصهيوني يتجه حاليا الي نشطاء البيئة، حيث يعتبر هؤلاء الأكثر خطرا وعيا ومقاومة لاطماعه، وقد نعاها المجتمع المدني المعني بالبيئة في مصر، عبر “الشبكة العربية للبيئة والتنمية “رائد”، التي قالت ان المناضلة البيئية اللبنانية منى خليل، التي ارتقت شهيدةً إثر إصابتها جراء القصف الذي استهدف منزلها، وإن استشهادها يذكّرنا بأن المدافعين عن البيئة ليسوا بعيدين عن مآسي الحروب والنزاعات، وأن الطبيعة نفسها تصبح ضحيةً حين تمتد إليها نيران الصراعات، لكنه يذكّرنا أيضاً بأن هناك من يختارون الوقوف في الصفوف الأولى دفاعاً عن الحياة بكل أشكالها”.
واذا كان هناك من يغتال ويغتصب ويقتل ويبيد، هناك من يعيد النماء، ويحيي الروح ويبعث الحياة للأرض وكائناتها ويكافح التصحر وندرة المياه، كما تفعل د. ياسمين فؤاد الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر والجفاف، التي تركت منتجعات الرفاهية والفيافي الخضراء بجوار مقرها بالأمم المتحدة بمدينة بون الألمانية، لتحول وجهتها الي حيث أماكن العمل الميداني الجاد..تتعرّف على الأرض، والناس رعاة الأرض والغابات، تساعدهم في مقاومة ندرة المياه وقحط الحياة قاصدة مناطق الجفاف في كينيا.. لم نذكر ذلك لمنصبها، باعتبارها مساعد الامين العام للامم المتحدة، فقد ذهبت الي أفريقيا لتكرس مبدأ هو: “استعادة الأرض واستعادة المياه، تسيران جنباً إلى جنب”، وهكذا كانت في مهامها الوزارية في مصر.
ولا يغيب عن ذاكرة نشطاء البيئة وعلمائها وناسها، بأن من قتل مني خليل كأنه قتل الناس جميعا، وعلى الجانب الآخر، فمن أحياها فقد أحيا الناس جميعا.. وهو جزء من الآية القرآنية الكريمة “32” من سورة المائدة، والتي قال الله تعالى فيها: “مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”.
ثابت أمين عواد
a_thabet@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *