الرئيسيةاخبارنحو إدارة مستدامة لصيد الطيور: ورشة وطنية تضع رؤية متكاملة
اخبار

نحو إدارة مستدامة لصيد الطيور: ورشة وطنية تضع رؤية متكاملة

تقرير: هند سعيد

يمثل صيد الطيور في مصر أحد الملفات البيئية المهمة المرتبطة مباشرة بحماية التنوع البيولوجي والحفاظ على التوازن الطبيعي، في ظل تحديات تتعلق بالاستدامة والالتزام بالقوانين المنظمة.
ويحظى هذا الملف باهتمام متزايد من الجهات المعنية والخبراء، باعتباره قضية تتداخل فيها الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية وتتطلب حلولًا متكاملة.
وفي هذا الصدد، أعلنت الجمعية المصرية لحماية الطبيعة في ختام الورشة الوطنية الموسعة، التي عقدتها على مدار يومين وتزامنا مع الاحتفال باليوم العالمي للطيور المهاجرة، بعنوان “تعزيز حوكمة صيد الطيور في مصر: الدروس المستفادة، التحديات، وآفاق العمل المشترك” عن حزمة شاملة من التوصيات الاستراتيجية التي تمثل الإطار التنفيذي لخارطة طريق وطنية للفترة 2026–2030، بهدف تعزيز إدارة مستدامة لملف صيد الطيور في مصر، وتحقيق التوازن بين حماية التنوع البيولوجي ودعم التنمية الاقتصادية للمجتمعات المحلية.
وأكدت التوصيات ضرورة تحديث التشريعات البيئية المنظمة للصيد بما يتوافق مع الدستور المصري والاتفاقيات الدولية المعنية بالتنوع البيولوجي، مع تطوير آليات علمية دقيقة لتحديد حصص الصيد السنوية بناءً على بيانات ميدانية حديثة تعكس حالة الأنواع والتوازن البيئي.
كما شددت على أهمية تعزيز دور المجتمع المدني كشريك رئيسي في منظومة الحوكمة البيئية، بما يرسخ مبادئ الشفافية ويعزز فاعلية الرقابة.
وفي سياق متصل، أوصت الورشة بإنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة لرصد الطيور المهاجرة والمقيمة، إلى جانب إطلاق “القائمة الحمراء الوطنية” للأنواع المهددة بالانقراض، مع دعم البحوث العلمية وربطها بصناعة القرار البيئي، وتوظيف التقنيات الرقمية الحديثة في الرصد والمتابعة اللحظية لحركة الطيور وأنماط الصيد.
كما أولت التوصيات اهتمامًا خاصًا بالبعد الاقتصادي والاجتماعي، حيث دعت إلى تطوير بدائل مستدامة للمجتمعات المحلية المرتبطة بالصيد، عبر إدماج الصيادين في أنشطة السياحة البيئية ومراقبة الطيور، وتحويل النشاط من ممارسة استنزافية إلى نشاط تنموي يحقق عوائد اقتصادية مستدامة.
كما شددت على ضرورة التعامل مع سلاسل الإمداد غير القانونية باعتبارها أحد المحاور الأساسية في مواجهة الظاهرة.
وفي محور التمويل، أكدت الورشة أهمية تفعيل دور المسؤولية المجتمعية للشركات في دعم مشروعات حماية التنوع البيولوجي، وتعزيز الشراكات الدولية مع مؤسسات تمويل بيئي مثل Global Environment Facility، إلى جانب توجيه عوائد الرسوم والتراخيص نحو مشروعات الحماية والاستدامة.
وفي جانب التوعية، دعت التوصيات إلى دمج مفاهيم حماية البيئة في المناهج التعليمية، وتطوير خطاب ديني وإعلامي داعم لقيم الحفاظ على الطبيعة، بما يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التوازن البيئي.
وأكد الدكتور خالد النوبي، المدير التنفيذي للجمعية المصرية لحماية الطبيعة، أن هذه التوصيات تمثل “تحولًا مهمًا في مسار إدارة ملف الطيور في مصر”، موضحًا أن المرحلة المقبلة ستعتمد على التنفيذ العملي من خلال فريق وطني متخصص يتولى متابعة تنفيذ خارطة الطريق حتى عام 2030.
(نجاحات حظر الصيد وتحول في نموذج الإدارة البيئية )
واستعرض الدكتور خالد النوبي – خلال فعاليات الورشة- عددًا من النجاحات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة في مجال حماية الطيور، مشيرًا إلى أن حظر الصيد في بحيرة ناصر خلال العامين الماضيين أسفر عن نتائج بيئية إيجابية ملموسة، تمثلت في عودة عدد من الأنواع النادرة من الطيور إلى المنطقة، وهو ما يعكس استجابة النظم البيئية للإجراءات التنظيمية المبنية على أسس علمية.
وأوضح النوبي أن هذه التجربة لم تقتصر على الجانب البيئي فقط، بل امتدت إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية مهمة، حيث تحوّل عدد من الصيادين السابقين وأصحاب المراكب إلى مرشدين بيئيين، في نموذج عملي يعكس إمكانات السياحة البيئية المستدامة كمصدر بديل للدخل.
وأضاف في حديثه أن “حماية الطيور المهاجرة ليست مجرد قضية بيئية، بل تمثل استثمارًا استراتيجيًا في السياحة البيئية والاقتصاد الوطني”، مؤكدًا أهمية التكاتف الوطني لدعم حملة “حتى تعود الطيور”، التي تهدف إلى حماية التنوع البيولوجي وتعزيز مكانة مصر في الالتزام بالاتفاقيات البيئية الدولية.
وأشار النوبي كذلك إلى القواعد الإضافية العامة على مستوى الاتحاد الأوروبي، منها حظر الصيد خلال مواسم التكاثر وفترات الهجرة العكسية ، حظر وسائل الصيد غير الانتقائية حماية الأراضي الرطبة ومناطق هجرة الطيور والسماح بصيد أنواع محددة فقط.. منوها بأن الصيد الجائر هو أي صيد يتجاوز قدرة النظام البيئي على التعافي وتعويض ما تم إزالته منه .
وهناك عدد من الاشتراطات الفنية المنظمة لصيد طيور السمان البري، القمري الأوروبي والمطوق، والشرشير الصيفي خلال موسم الصيد يجب الالتزام بها حيث يُسمح باستخدام وسائل صيد محددة لكل نوع من الطيور مع حظر كامل لبعض الأدوات، مع تحديد الاشتراطات الخاصة بوضع الشباك التي تتطلب الحفاظ على مسافات آمنة وارتفاعات محددة، ومنح مساحة خالية داخل مناطق الصيد داخل مناطق الصيد؛ لضمان مرور آمن للطيور.
ومن جانبه، قدم الدكتور شريف بهاء الدين، رئيس الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، عرضًا علميًا تناول فيه أبعاد أزمة الصيد غير المستدام، لافتة إلى أنه تم رصد 11 نوعًا من الطيور المهددة بالانقراض، من بينها عقاب السهوب والصقر الحر والعقاب الملكي الشرقي، مؤكدًا أن بعض المحافظات تمثل بؤرًا رئيسية لانتشار أنشطة الصيد غير القانوني.
وأضاف أن الإشكالية لا ترتبط فقط بحجم المخالفات، بل تمتد إلى وجود ثغرات تشريعية، أبرزها ضعف العقوبات، وغياب تحديد حصص الصيد السنوية، وعدم وجود تفرقة واضحة بين أنماط الصيد المختلفة، وهو ما يتطلب تطويرًا شاملًا للإطار القانوني والتنفيذي.
وأكد المستشار عامر إسماعيل المستشار القانوني وخبير التشريعات البيئية، أن حماية الطيور والتنوع البيولوجي في مصر تعد قضية وطنية ذات أهمية كبيرة، موضحا أن جهاز شؤون البيئة هو الجهة المختصة قانونياً بالإشراف على الصيد وفقاً للقانون رقم 4 لسنة 1994، والمخول بتحديد الأنواع المسموح بصيدها، والمناطق والكميات، ومنح التصاريح، سواء لأغراض سياحية أو غيرها، كما يمكن تفويض بعض الجهات الإدارية الأخرى للقيام بمهام محددة إذا اقتضت الضرورة، وهو ما يعكس التنظيم القانوني المتكامل الذي تهدف الدولة لتطبيقه.
من جانبه ، أكد الدكتور محمد إسماعيل رئيس وحدة الحياة البرية بوزارة البيئة أن مواجهة ظاهرة الصيد الجائر لا تقتصر على وزارة البيئة فقط، بل تعد مسؤولية مشتركة بين عدد من الجهات المعنية، من بينها شرطة البيئة والمسطحات، وهيئة الثروة السمكية، وحرس الحدود، إلى جانب المحافظات باعتبارها الجهة المنوط بها تنفيذ القوانين على أرض الواقع.
كما دعا المواطنين إلى التعاون مع الجهات المعنية والإبلاغ عن أي مخالفات تتعلق بالاتجار غير المشروع بالحياة البرية، بما يسهم في حماية التنوع البيولوجي وصون الثروات الطبيعية، باعتبارها ثروة وطنية ومسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع.
(البعد الديني والعلمي وتكامل الرؤى)
وشهدت الورشة توافقًا لافتًا بين المؤسسات الدينية والعلمية حول أهمية حماية الطبيعة، حيث أكدت الدكتورة نهلة الصعيدي، مستشار شيخ الأزهر لشئون الوافدين ورئيس مركز تطوير تعليم الطلاب الوافدين والأجانب، أن المسؤولية تجاه حماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية لا تقع على جهة بعينها، بل هي مسؤولية مشتركة يتحملها الجميع.
وأضافت أن الحفاظ على الكائنات الحية وصون التوازن البيئي يعد من مقتضيات العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، لافتة إلى أن أهمية الجهود الوطنية في هذا المجال لا تقتصر على كونها التزامات قانونية، بل تمثل واجبًا حضاريًا وإنسانيًا يتطلب تكاتف المؤسسات العلمية والدينية والمجتمعية.
وشددت على ضرورة استعادة مركزية الوعي في بناء السلوك المجتمعي، مؤكدة أن القوانين مهما بلغت دقتها لن تحقق أهدافها ما لم يدعمها ضمير حي وثقافة تعلي من قيم الرحمة والمسؤولية تجاه البيئة والإنسان، داعية إلى مزيد من التنسيق وتكامل الجهود بين مختلف الجهات الوطنية من أجل حماية البيئة وصون الموارد الطبيعية، وفاءً بحق الوطن ومسؤوليته تجاه الأجيال القادمة، مشيدة بالجهود التي بُذلت لتنظيم هذه الورشة المهمة.
وفي السياق ذاته، أوضح القمص العازر المحرقي أن الرؤية المسيحية تتقاطع مع هذا المفهوم، معتبرًا أن الحفاظ على التوازن البيئي يمثل التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا مشتركًا.
من جانبه، أكد الدكتور مصطفى فودة، خبير التنوع البيولوجي، أن قضية الصيد الجائر أصبحت ذات أبعاد عالمية، موضحًا أن فقدان الطيور ينعكس سلبًا على الزراعة والصحة العامة والتوازن البيئي، داعيًا إلى دمج مفاهيم حماية الطبيعة في التعليم والخطاب المجتمعي.
وأشار فودة إلى أن لكل مواطن دورا حيويا في حماية التنوع البيولوجي الذي يضمن التوازن البيئي ويحافظ على الثروة الزراعية والغذائية.
​كما أكد فودة أن التصور الخاطئ بأن الصيد يحقق عائداً اقتصادياً، بل على العكس، فإن فقدان الطيور يكبد الاقتصاد خسائر فادحة أهمها: ​الزراعة: توفر الطيور خدمات مكافحة الآفات (مثل مزارع القهوة) بما يعادل 12% من قيمة المحصول، ​الصحة العامة: أدى انهيار أعداد النسور في جنوب آسيا إلى تكاليف صحية بلغت 34 مليار دولار نتيجة انتشار الأمراض،​ السياحة البيئية حيث يبلغ العائد الاقتصادي لمراقبة الطيور في الولايات المتحدة 279 مليار دولار، مما يدعم 1.4 مليون وظيفة.
(البعد الدولي والإشادة بالتجربة المصرية)
وشهدت الورشة رسالة مسجلة من المدير التنفيذي لـ BirdLife International، مارتن هاربر،
الذي أشاد بالتجربة المصرية في السنوات الأخيرة في مجال حماية الطيور، واصفًا الورشة بأنها من أبرز الفعاليات الإقليمية خلال العقدين الماضيين في هذا الملف، ومؤكدًا أهمية تعزيز التعاون الدولي لمواجهة تحديات الصيد غير المستدام على مسارات الهجرة العالمية.
وختاما، تعكس مخرجات الورشة تحولًا نوعيًا في مقاربة ملف صيد الطيور في مصر، حيث انتقلت من معالجة بيئية تقليدية إلى رؤية متكاملة تقوم على الحوكمة، والتكامل التشريعي، والبعد الاقتصادي، والوعي المجتمعي، إلى جانب البعد الديني والعلمي.
كما تشير خارطة الطريق المقترحة إلى توجه واضح نحو بناء نموذج وطني مستدام لإدارة الموارد الطبيعية، يعتمد على المعرفة العلمية والشراكات المؤسسية، بما يعزز حماية التنوع البيولوجي ويدعم التنمية المستدامة في الوقت ذاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *