تقرير/ وفاء فراج
في جرس إنذار عالمي جديد يربط بين تدهور البيئة والأمن الصحي للبشرية، كشف تقرير دولي حديث صادر عن الجمعية الأمريكية لعلم الأحياء الدقيقة بالتعاون مع الاتحاد الأمريكي للجيوفيزياء، أن التغيرات المناخية المتسارعة باتت المحرك الرئيسي لظهور وانتشار الأمراض المعدية في مناطق جديدة حول العالم لم تكن مألوفة فيها من قبل.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور أحمد هاني حسنين، استشاري الصدر والحساسية والمناعة والأستاذ بالأكاديمية الطبية العسكرية، أن هذا التقرير يمثل تحولًا نوعيًا في فهم خطورة الأزمة المناخية، مشيرًا إلى أن تأثيرات المناخ لم تعد تقتصر على ذوبان الجليد أو ارتفاع منسوب البحار، بل امتدت لتشكل تهديدًا مباشرًا للجهاز المناعي البشري والمنظومات الطبية عالميًا ومحليًا.
اتساع الرقعة الجغرافية للأوبئة
وأوضح د. أحمد هاني حسنين، في تصريحات خاصة ان التقرير الذي جاء نتاج مبادرة علمية استمرت على مدار 5 سنوات اختتمت مناقشاتها المكثفة بمشاركة خبراء من تخصصات متعددة ، وضع يده على آليات دقيقة تؤثر بها البيئة على الخريطة الوبائية، وتتمثل في:
– توسع نشاط الحشرات الناقلة: ارتفاع درجات الحرارة العالمي وتبدل أنماط هطول الأمطار وفرا بيئة مثالية لتكاثر وهجرة الحشرات الناقلة للأمراض كالبعوض والقراد، مما ينقل أوبئة مثل الملاريا وحمى الضنك إلى مناطق كانت تُصنف سابقًا بأنها “آمنة” أو معتدلة.
– اضطراب أنظمة المياه: الفيضانات والسيول الناجمة عن التطرف المناخي تؤدي إلى تلوث مصادر المياه العذبة، ما يرفع من معدلات الإصابة بالنزلات المعوية الحادة والأمراض البكتيرية المرتبطة بالمياه.
– عودة الأمراض المنسية: رصد التقرير ظهورًا مفاجئًا لبعض الأمراض في أقاليم كانت قد أعلنت خلوها منها منذ عقود، نتيجة تغير سلوك الميكروبات وفقدان بعض النظم البيئية لتوازنها الطبيعي.
السباق بين المناخ والطب
وحذر الأستاذ بالأكاديمية الطبية العسكرية من أخطر ما جاء في التقرير، وهو أن “سرعة التغير المناخي باتت في بعض الأحيان تفوق قدرة الأنظمة الصحية على الاستعداد والاستجابة”، مؤكدًا أن هذا التباين يتطلب إعادة نظر شاملة في خطط الطوارئ الصحية لتكون استباقية لا دفاعية.
حلول رقمية وتكامل علمي لمواجهة الخطر
وحول سبل المواجهة التي طرحها التقرير، شدد د. أحمد هاني حسنين على أهمية التوصيات الداعية إلى دمج التكنولوجيا الحديثة بالمنظومة الصحية، لاسيما من خلال:
– أنظمة إنذار مبكر ذكية: الاعتماد على الذكاء التحليلي وبيانات الأرصاد الجوية لبناء نماذج محاكاة تتوقع أماكن بؤر الخطر قبل حدوث التفشي الوبائي الفعلي.
– كسر عزلة العلوم: تعزيز الشراكة والتعاون العابر للتخصصات بين علماء المناخ، والأوبئة، والميكروبيولوجي، ومحللي البيانات العظمى، لتحويل المخرجات المعملية إلى قرارات سيادية وصحية قابلة للتطبيق الفوري على الأرض.
مفهوم جديد للصحة العامة
واختتم د. أحمد هاني حسنين تصريحاته مؤكدًا أن مفهوم “الصحة العامة” في القرن الحادي والعشرين لم يعد محصورًا داخل جدران المستشفيات وصرف الأدوية، بل بات مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمدى قدرة الدول على قراءة المتغيرات البيئية والتنبؤ بالمخاطر الميكروبية الجديدة. وشدد على أن الأمن الصحي القومي لأي دولة أصبح يعتمد بالدرجة الأولى على مرونة استراتيجياتها الاستباقية في مواجهة التداعيات الصحية للتغير المناخي

