كتب: ثابت أمين عواد
لم تهمل الحكومة سيناء او تتجاهلها يوما سلما او حربا، فهي، علي مدار الزمان كانت وستظل “قدس أقداس مصر”، ففي الحروب كانت وستظل تضحيات الأبطال ودماء الشهداء، رمزا يجسد أهميتها عهدا ووعدا، وفي السلم تتواصل جولات التنمية ولاتتوقف، فالامن والتنمية وجهان لعملة واحد
وعرفت المشروعات القومية العديدة من سيناء.. وبدأت الدولة أول مشروع قومي على مستوى الجمهورية هناك وهو “المشروع القومي لتنمية سيناء” منذ اكثر من ثلاثون عاما، وافقت عليه الحكومة 13 أكتوبر 1994 لربط المحافظة بوادي النيل، بتكلفة 74 مليار جنيه، فوضعت الدولة سيناء، مبكرا،على خارطة التنمية الشاملة والاستثمار، ضمن خطة طموح لتعميرها لتصبح منطقة جاذبة للمستثمرين والسكان وربطها بالدلتا والمحافظات، كما وضعت تنمية محافظات القناة في صدارة أولوياتها، باعتبارها حلقة الوصل بين سيناء وباقي محافظات الجمهورية.
واليوم، وبعد نحو 45 عاما من تحريرها، إلى أين وصلت التنمية هناك، وماذا تحقق من وعود.. من زاوية مختلفة، تري العقيدة الصهيونية، أن بقاء سيناء خالية من الكثافة السكانية يجعلها ساحة مكشوفة وحاجزاً جغرافياً يسهل اختراقه التعامل معه، في حين أن توطين ملايين المصريين وتحويلها إلى منطقة مأهولة بالمدن والمصانع والمزارع ما يصعب اختراقها، هذه هي رؤية العدو الصهيوني.
ومن منطلق أهميتها القصوي، فإن سيناء تستحق صدارة أولويات التنمية في مصر، بأن نطبق مبدأ “الحوكمة”، في التعرف على حال التنمية فبها، والمبدأ الذي يعتمد علي الشفافية والمساءلة، وصولا الي الادارة الرشيدة لهذا الاقليم فائق الاهمية، ومن الشفافية نقول، انه لم تجتمع متناقضات في مكان ما، ولم تتكاثر ظواهر أكثر ما اجتمعت وتكاثرت في سيناء، حيث تتعدد موارد هنا، يقابلها قحطا في الفرص هناك.. تتنوع إمكانات وموارد هنا، وعرقلة في وصولها للناس هناك..تتجدد خيرات من البر والبحر كل يوم هنا، ويفتش الناس عن أسباب انحسار هذه الخيرات من موارد طبيعية، وبشرية، ودينية، وزراعية، وبيئية، ورملية، وبحرية، تشهد لها بذلك صفحات التاريخ والجغرافيا، وسجلتها الدوريات العلمية، بموارد فائقة الندرة.
كلنا نعلم ان ما مرت به و عاصرته من تحديات، وبسبب موقعها الجغرافي مع الخطر الخارجي، وجولات الحروب والارهاب، يشكل السبب الأكبر المعرقل لوصول التنمية إلى أيدي الناس هناك، فقد استحوذ إقليمها على مفارقات عديدة، فهي الأغنى موردًا، لكنها الأفقر دخلًا، والمتوقع أن تصبح الأكثر جذبًا للسكان، إلا أنها باتت مكان طاردا، وموئلا للهجرة العكسية.
من بين التناقضات ايضا، انه منذ بداية تنفيذ أول مشروع قومي هناك، منذ من 3 عقود، ومن البديهي انتشار المشروعات الصناعية والزراعية والتعدينية ضمن نطاق المشروع، وبالتالي تتوالد الآلاف من فرص العمل الأساس للاستقرار، إلا أننا نعود مجددا الي الوراء، وكأن المشروع القومي هو مشروعا نظريا وضع على الأوراق فقط، فلا نندهش من غياب فرص العمل، حتي في أبسط المهن، وعلى سبيل المثال، فإن من يستخدم السنارة والشبكة لصيد الأسماك لابد وان يحصل على تصريح، نعم تصريح او رخصة صيد من الجهات المعنية لمزاولة مهنة الصيد بالشبكة اوبالسنارة، فما هو الحال لهواة صيد السمك بالسنارة او الشبكة، وهل هواة الصيد في حاجة لتصريح بمزاولة هوايتهم.
يردد المواطنون هناك ويتساءلون: أين مصنع الرخام، باعتبار ان جبال الرخام في وسط سيناء تفوق انواع الرخام الإيطالية والعالمية، اين مصنع الرمال البيضاء، أين مصنع الزجاج، اين مصنع الخلايا الشمسية، اين مصنع الاسماك، اين مصنع الفسيخ والأسماك المملحة، اين مصانع المواد الغذائية المعتمدة على المنتجات الزراعية والفاكهة الشهيرة في سيناء مثل التمر والخوخ والكانتالوب، أين مصانع ومعاصر الزيتون الحديثة، اين مصانع وورش الحرف البيئية الشهيرة في سيناء، أين مصنع المنجنيز، اين مصنع الرمال السوداء، اين مناطق رعاية وحماية طائر السمان النادر الذي يفضل زيارتها كل خريف، اين مصنع السجاد والكليم الذي يعتمد على أصواف الإبل والضأن والماعز المنتشرة في ربوع سيناء، اين سيناء التي تنتظر إقامة مجتمعات عمرانية جديدة، لاستيعاب أهلها أولاً، ثم المواطنين من عموم المحافظات.
والوصول الي نقطة المساءلة في مبدأ الحوكمة، نكتشف اننا عدنا الي نقطة الصفر، بل إلى نقطة المياه التي انقطعت عن العريش لمدة 12 يوما متواصلا، خلال منتصف أغسطس الماضي، دون معرفة لماذا ومن المسئول، اما انقطاع التيار الكهربائي وأصبح ظاهرة يومية، كما يتساءل المواطنون: هل هناك نهاية لتكدس القمامة والتخلص منها، فهي مازلت مقيمة، في عز الصيف، في أهم وأطول شارع في مدينة العريش وهو الشارع الوحيد الأشهر وهو شارع البحر.
أين التنمية، اين حصاد ما أعلنت عنه الحكومة منذ أكثر من 10 سنوات، ان اجمالي تكلفة اقامة 975 مشروعا بلغت 638 مليار جنيه، المصارحة تقول اننا نبحث عنها في سيناء فلا تجدها الا علي صفحات ومانشيتات الصحف وشاشات التلفزيون والفضائيات ومحطات الإذاعة كل عام مع عيد تحريرها السنوي فقط، وما صرف على سيناء يكفي لتعميرها مائة مرة.
مع بداية تحرير سيناء، ذكر الوزير المغفور له المهندس حسب الله الكفراوي وزير التعمير والاسكان موقفا فقال:”ونحن نبدأ في عمليات إنشاء أول محطة تحلية مياه البحر على شاطئ العريش، سألني الرئيس مبارك رحمه الله، ماذا تفعل ياكفراوي، فقلت له: سنقوم بانشاء محطة تحلية لمياه البحر، لان المدينة واهلها في اشد الحاجة اليها، فقال له مبارك، سيبك سيبك..وطلب مني ترك المشروع”، هذه شهادة الكفراوي رحمه الله، سمعتها منه شخصيا، وهو رمزا وطنيا ذو مصداقية.
ولعل عودة أتوبيس شرق الدلتا للعمل مجددا بانتظام يوميا بين القاهرة والعريش بعد توقف سنوات، من خلال عربات “اتوبيس” جديدة مكيفة، تخفف من حدة المشكلات ومعوقات التنمية التي مازالت تنتظر..ومع الانتظار لا نغفل ما قاله أريل شارون وزير الدفاع ورئيس الوزراء الصهيوني الأسبق حول سيناء في مقولته الشهيرة: “تعمير سيناء وتنميتها أخطر على أمن إسرائيل من القنبلة الذرية، بل أخطر من إمتلاك مصر للسلاح النووي”.
الحديث عن تعدد موارد سيناء وتنوعها، لاينفي دور واهمية اهل سيناء والوادي، فهو الاغلب والاقوي من كل الموارد التي تذخر وتفتخر بها سيناء..واذا كانت سيناء قدس أقداس مصر، فان الانسان المصري هو كنز كنوزها.

