كثيرة هي الثروات الطبيعية الوطنية، تلك التي تهدرها اليد الرخوة، والقوانين الناعمة، والثغرات الإدارية، وغيرها من أشكال الفساد المختلفة التي تسمح بتغول الطامعين سواء من الداخل أو الخارج في شكل أفراد أو تكتلات أو جماعات أو حتى عصابات دولية ممنهجة.
وقبل أن تكون تلك الثروات أرقاماُ إقتصادية مهمة، فالبيئة الطبيعية المصرية تواجه خطرًا كبيراً، في ظل تزايد عمليات الصيد الجائر الذي يهدد التوازن والتنوع البيولوجي ويؤثر سلبًا على الاقتصاد الوطني، وسط ترهل واضح، تحدثنا عنا سلفاً في تطبيق القوانين والرقابة، مقارنة بما يحدث في دول إقليمية ودول العالم الأخرى من تشديد للرقابة وتغليظ للعقوبات بهذا الشأن.
«الصيد الجائر» إشكالية حقيقية في مصر، وتتعرض بعض مناطق ومياه وأجواء مصر لانتهاكات بيئية كبيرة، كما هو الحال في بحيرة ناصر بأسوان والفيوم والواحات البحرية بالوادى الجديد وغيرها، وهي تمثل موطنا آمنا كل عام لمئات من الطيور المهاجرة الدولية، وأنواعها الفريدة، قادمة من أوروبا وآسيا عبر شمال إفريقيا وغيرها، إضافة إلى الأنواع الأخرى من الطيور المقيمة فى هذه المواطن، مما تعد ثروة طبيعية إقتاصدة هائلة يتم التفريط فيها وإهدارها في مواسم سياحية يأتي إليها المحترفون المنتهكون تحت مسمى السياحة مستخدمين في بنادق نصف آلية وأجهزة صوت محظورة لجذب الطيور.
وهناك هدف تسعى الجهات المعنية، ونأمل أن تكون الخطوات على الأرض يتم ترجمتها عملياً لتتواءم مع غاية إقليمية بخفض الصيد غير المشروع للطيور بنسبة 50% بحلول عام 2030 في كل أنحاء وأرض مصر، خاصة على السواحل الشمالية وسواحل البحر الأحمر والواحات.
في ندوة بنقابة الصحفيين، الأسبوع الماضي، تناولت تلك الإشكالية والأزمة، تحدث الدكتور خالد النوبي رئيس الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، بحضور الدكتور محمود بكر رئيس مجلس إدارة جمعية كتاب البيئة، ونقاش شارك فيه أعضاء مجلس إدارة الجمعية والأعضاء المختلفون، خلص في تأكيد واضح أن الصيد الجائر للطيور يستنزف الثروة الطبيعية في مصر. وأبدى دكتور محمد عبد المنعم رئيس المنتدى العالمي للسياحة والبيىئة اهتماما بالتعاون من أجل رفع مستوى التوعية مع الجمعية والجهات المسؤولة وتدريب الشباب في تلك المحافظات التي تنتشر بها عمليات الصيدالجائر.
تحدث دكتور خالد النوبي، عن دور البرلمان الفترة المقبلة ووعود غير محددة، في كيفية تقديم إحاطة وإثارة أزمة الصيد الجائر في مصر على الوزارات المعنية وعلى رأسها وزارة البيئة، ووضح حد لإنتهاكات الصيد الجائر التي تتم بضوء أخضر حسب الوضه الراهن، أي بتجاهل القوانين والتسيب وعدم مراعاة ثروات مصر بالفساد الإداري وعدم ردع المستغلين أجل قوانين أكثر صرامة وتقييد والحفاظ على ثروات مصر، موضحاً أن هناك ثغرات تقع على عاتق القيادات الوسطى مثلا ، كمدراء الادارة أكثر من القيادات الكبيرة ، وليس قي القيادات الكبيرة.
وتناول الأزمة ، مستخدما إحصائات وأرقام دلالية، وتخدث عن موقف مصر من الاتفاقيات الدولية واشكالية وأزمة «طائر المينا» الذي انتشر في الآونة الأخيرة بصورة كبيرة وهو من الطيور الجارحة العابرة للحدود و التي تزداد تواجدا في مصر، وهو يتسبب في إنقراض أنواع أخرة من الطيورالنادرة.
تشير دراسات شبكة «حياة الطيور» العالمية إلى فقدان قرابة 25مليون طائر مهاجر سنويًا بسبب الصيد الجائر، فيما تأتي مصر في المركز الثاني على مستوى حوض البحر المتوسط بعد إيطاليا، بإجمالي قرابة 6 مليون طائر، من بينها أنواع نادرة وعالية القيمة الاقتصادية.
كما تشير الإحصاءات إلى انخفاض أعداد الطيور المائية في بحيرة ناصر بنسبة تصل إلى 60% خلال الـ 20 عامًا الماضية، نتيجة الضغوط البيئية وعمليات الصيد المكثف وغير المنظم.
وتُستخدم في ذلك الشباك الساحلية والداخلية لصيد الطيور المغردة، خاصة في الساحل الشمالي وشمال سيناء والبرلس والواحات، بغرض التجارة والتصدير. وتُعد أجهزة الصوت الإلكترونية من أخطر الوسائل المستخدمة في عمليات الصيد غير المشروع، حيث تُستخدم أجهزة النداء الصوتي لجذب الطيور وزيادة كميات الصيد، ما يؤدي إلى مضاعفة أعداد الطيور، وتشير البيانات إلى أن نحو 78% من صيادي منطقة البرلس يستخدمون هذه الأجهزة.
وفي النواحي الإجتماعية كإحدى ثغرات الفساد، يستغل المنتهكون والصيادون المحترفون في أساليبهم حاجة السيدات المعيلات، بحسب تأكيد الدكتور النوبي، من خلال تقديم سلف مالية لهن، مقابل العمل في صيد الطيور لسداد هذه المبالغ، وأشار إلى أن حصيلة اليوم الواحد من الصيد قد لا تقل عن 25 ألف جنيه، فيما يتجاوز العائد السنوي 100 مليون جنيه، أما التجار فيسيطرون كلياً على سلاسل الإمداد والتمويل المرتبطة بالصيد.
وأن الفقراء أيضا يستخدمون كوقود في تلك التجارة غير الشرعية، من خلال استغلالهم في عملية الصيد ، مقابل مبالغ زهيدة يتم دفعها لهؤلاء الصيادين الفقراء ، بينما يكسب كبار التجار ملاييين الجنيهات، ولا يعلمون أن التوازن البيئي يقوم على أن هذه الطور التي تم اصطيادها هي من تقوم بتنظيف الحقول من تأكل الحشرات المدمرة للزراعات والمحاصيل.
وفي بحيرة ناصر مثلا : هناك حوالى 25 عائلة من المنتفعين بعمليات الصيد الجائر ، ولعل وجود قوانين صارمة في السعودية مثلا لمحاربة عمليات الصيد الجائر وفي دول إقليمية أخرى تحترم أرضها ومائها وثراواتها جعلت هواة ومحترفي وتجار الصيد يتجهون إلى مصر لوجود إختراقات تسمح بذلك وقوانين مطاطة وناعمة لا تردع الطامعين في أرض وسماء وبحيرات وثروات مصر خاصة في أزمة الصيد الجائر في مصر.
المزارعون في الوادي أيضاً يعانون من تفشي الفئرات في الزراعات التي تأكل المحاصيل كنتيجة طبيعية لغياب الثعابين التي يصطادها التجار من خارج المحافظة بكميات كبيرة جداً ، وبالتالي إهدار ثروة زراعية كبيرة وفقدان التوزان البيئي المطلوب، بحسب ما أكد الدكتور خالد عن تلك الأزمة.
واستطرد النوبي موضحاً، أنه من أبرز الثغرات القانونية، ضعف الغرامات المالية، التي تتراوح أقصاها إلى 5آلاف جنيه فقط، بما لا يتناسب هذا مع حجم المخالفات، فعلى سبيل المثال، يبلغ سعر زوج طيور «القُمري» نحو 1200 جنيه، في وقت لا توجد فيه قوائم محددة وواضحة للأنواع المسموح بصيدها، كما أن المادة 28 من قانون البيئة لا تفرق بين الطيور والكائنات المائية، فضلًا عن غياب التعويضات البيئية عن الصيد الجائر خارج المحميات الطبيعية.
وقد بدأت جهود المواجهة قبل 10 سنوات، عبر «إعلان القاهرة» عام 2016، الذي مثّل نقطة انطلاق لاتخاذ خطوات فعلية وتوقيع اتفاقيات لمكافحة ظاهرة الصيد الجائر للطيور.
وفي ظل محدودية الموارد والإمكانات لدى الجهات البيئية المركزية، تلعب المحافظات دورًا مهمًا في هذا الملف، عبر التعاون مع الجمعيات الأهلية والإدارات المحلية، خاصة أن المجتمع المدني أصبح شريكًا مجتمعياً أساسيًا في حماية التوازن والتنوع البيولوجي، لكنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدعم وبناء القدرات، سواء على المستوى الفني أو المالي أو الإداري.
وتصدر وزارة البيئة سنويًا قرارًا يحدد عددًا محدودًا من الأنواع المسموح بصيدها، قرابة23 نوعًا فقط، إلا أن الواقع على الأرض يختلف بصورة كبيرة عن النصوص القانونية.
وأوضح النوبى أنه فى مواجهة هذا الوضع الكارثى، اتخذت وزارة البيئة قبل 3 سنوات قرارا بحظر الصيد فى بحيرة ناصر، كمحاولة قانوينة لردع الصيد الجائر إلا أنها لا تفي بالغرض كما يوضح الوضع العملي على الأرض .
وأدى هذا القرار إلى تحسن ملحوظ فى مؤشرات التنوع الحيوى، أسهم فى فتح آفاق جديدة أمام السياحة البيئية، وبدأ بالفعل بعض الصيادين السابقين فى التوجه للعمل كمرشدين متخصصين بيئيا فى رحلات مراقبة الطيور، وازدياد حالات تكاثر لبعض أنواع الطيور الفريدة، كطائر «النساج القروى» بمنطقة أبو سمبل، مما يعد مؤشراً على نجاح خريطة الطريق الوطنية فى مكافحة الصيد الجائر، بنسبة 50% من خلال دعم أنشطة توعوية وميدانية وشراكات مختلفة مع وزارات البيئة والسياحة والداخلية في تلك المحافظات، ورفع درجة الوعى العام بأهمية دور المواطن فى حماية البيئة، والإبلاغ عن الانتهاكات على الأرض للحفاظ على الحياة البرية وتتويج جهود التنمية المستدامة،والحفاظ علىالثروات الطيعية امهدرة نتيجة الصيد الجائر وغيرها من الإنتهاكات غير الشرعية لثروات مصر.

