كتب ــ عادل دندراوي
مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، تتزايد المخاوف من تداعيات تتجاوز ساحات المعارك في إيران وإسرائيل ودول الخليج التي تتعرض لهجمات إيرانية أيضاً، لتمتد إلى تأثيرات شاملة تطال أنحاء الشرق الأوسط، خاصة أن القصف المبادل اقترب من مواقع المفاعلات النووية.
والحروب الحديثة لا تترك آثارها على المدن والبنى التحتية فقط، بل تمتد إلى الهواء والمياه والتربة، مخلّفة أضرارا بيئية تهدد بقوة صحة الإنسان والتنمة المستدامة، حيث تتصاعد أعمدة الدخان والمواد الكيميائية في الهواء، حاملة معها مخاطر فيروسية ممتدة على الإنسان والطبيعة سواء في داخل الدول المتحاربة أو الدولة المجاورة أو دول المنطقة بشكل عام، أو حتى العابرة للحدود وهي ترافق العواصف والمتغيرات المناخية.
ولعل الهجوم النووي الأميركي على مدينتي هيروشيما ونجازاكي في اليابان عام 1945 أشهر كوارث الحروب التاريخية حتى الآن عبر أجيال مختلفة.
بل إن الموارد المائية تحولت إلى سلاح يُستخدم ضد المدنيين، وكانت في حرب الإبادة في غزة مثالاً واضحاً ، كما يكون لتلوث موارد المياه أو تدميرها عواقب وخيمة على صحة المجتمعات.
واتفاقيات جنيف تحظر استخدام وسائل أو أساليب للقتال، يقصد بها أو قد يتوقع منها أن تلحق بالبيئة الطبيعية أضراراً بالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد على الإنسان والحجر. وهي تمثل نتهاكات وجرائم حرب وفق «نظام روما الأساسي» للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998.
وفي تحليل لصحيفة «الجارديان» البريطانية اليوم خلص إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تُعدّ كارثةً مناخية وكارثة بيئية، وفقًا لتحليلٍ يُشير إلى أنها تستنزف مخزون الكربون العالمي بوتيرةٍ أسرع من 84 دولة مجتمعة.
واستطرد ، أنه بينما تقتل الطائرات الحربية والمسيّرة والصواريخ آلاف الأشخاص، وتُدمّر البنية التحتية، وتحوّل الشرق الأوسط إلى منطقة تضحية بيئية هائلة، كشف أول تحليلٍ للتكلفة المناخية أن الصراع أدّى إلى انبعاث 5 ملايين طن من غازات الاحتباس الحراري في أول 14 يومًا من المواجهات وبالتالي تستنزف مخزون الكربون العالمي بوتيرة أسرع من 84 دولة مجتمعة.
ويُضيف التحليل بُعدًا جديدًا إلى التقارير التي تُوثّق الضرر البيئي الكارثي الناجم عن الهجمات على البنية التحتية للوقود الأحفوري، والقواعد العسكرية، والمناطق المدنية، والسفن في عرض البحر.
فكل حريق وفق التحليل في مصفاة نفط وهجوم على ناقلة نفط يُذكّرنا بأن السياسة الجيوسياسية القائمة على الوقود الأحفوري لا تتوافق مع كوكب صالح للحياة. وتُظهر هذه الحرب، مرة أخرى، أن أسرع طريقة لتفاقم أزمة المناخ هي السماح لمصالح الوقود الأحفوري بالتحكم في السياسة الخارجية.
والمحور الأمريكي الإسرائيلي يؤكد أنه قصف آلاف الأهداف داخل إيران، بينما قصفت إسرائيل مئات الأهداف الأخرى في لبنان. وتشير التقارير الواردة من داخل البلدين إلى دمار واسع النطاق في البنية التحتية.
ملحوظة ..نحن «لا نستثني من ذلك الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عمان».
وتُشكّل المباني المدمرة وفق التحليل، العنصر الأكبر في التكلفة الكربونية المُقدّرة. واستنادًا إلى تقارير الهلال الأحمر الإيراني، التي تُفيد بتضرر نحو 20 ألف مبنى مدني جراء النزاع، يُقدّر التحليل إجمالي الانبعاثات من هذا القطاع بنحو 2.4 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
وانطلقت قاذفات أمريكية ثقيلة من مناطق بعيدة كغرب إنجلترا لشنّ غارات على إيران، وتشير التقديرات إلى استهلاك الطائرات وسفن الدعم والمركبات ما بين 150 و270 مليون لتر من الوقود خلال الأربعة عشر يومًا الأولى، ما أسفر عن انبعاثات إجمالية بلغت 529 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
ومن أكثر الصور صدمةً في الحرب، الغيوم الداكنة والأمطار السوداء التي هطلت على طهران بعد قصف إسرائيل لأربعة مستودعات وقود رئيسية محيطة بالمدينة، ما أدى إلى اشتعال ملايين اللترات من الوقود.
وتشير التقديرات إلى احتراق ما بين 2.5 و5.9 مليون برميل من النفط في ذلك الهجوم وهجمات مماثلة بما في ذلك الردود الإيرانية على جيرانها في الخليج – ما أسفر عن انبعاثات تُقدّر بنحو 1.88 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
وفي الأيام الأربعة عشر الأولى، خسرت الولايات المتحدة أربع طائرات، بينما خسرت إيران 28 طائرة و21 سفينة حربية ونحو 300 منصة إطلاق صواريخ وفق التحليل.
ويُقدّر أيضا أن هذه المعدات العسكرية المدمرة مسؤولة عن انبعاثات كربونية مُضمنة تُقدّر بـ 172 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. بالإضافة إلى القنابل والصواريخ والطائرات المسيّرة نفسها، والتي استُخدمت على نطاق واسع من قِبل جميع الأطراف.
واستنادًا إلى تأكيدات تفيد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل قصفتا خلال الأيام الأربعة عشر الأولى أكثر من 6 آلاف هدف داخل إيران، في حين ردّت إيران بنحو 1000 صاروخ و2000 طائرة مسيّرة، فضلًا عن نحو 1900 صاروخ اعتراضي أُطلقت للدفاع عنها، قدّر التحليل أن الذخائر ساهمت بنحو 55 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في الانبعاثات.
وإجمالاً، وفق «تحليل الجارديان» بلغت الإنبعاثات أكثر من 5 مليون طنًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل 131مليون طنًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في عام واحد، وهو ما يُقارب انبعاثات اقتصاد متوسط الحجم يعتمد بكثافة على الوقود الأحفوري مثل الكويت، لكنها تُعادل أيضًا انبعاثات الدول الـ 84 الأقل انبعاثًا مجتمعة كما سلف في التحليل.
وقال فريد أوتولاربي، وهو الباحث الرئيسي للدراسة التحليلية، من «جامعة الطاقة والموارد الطبيعية في غانا» أنه من المتوقع أن تزداد الانبعاثات بسرعة مع استمرار النزاع، ويعود ذلك أساسًا إلى سرعة استهداف منشآت النفط بوتيرة مُقلقة.
وأضاف: علينا جميعًا أن نتعايش مع تداعيات تغير المناخ، فلا أحد يعلم على وجه اليقين حجم التكاليف، ولذلك تُعدّ دراسات كهذه بالغة الأهمية.
وفي يونيو من العام الماضي، قدّر علماء المناخ أنه بإمكان البشر إطلاق غازات دفيئة تعادل 130 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، مما يمنحنا فرصة بنسبة 50% لمنع ارتفاع درجة حرارة المناخ عن 1.5 درجة مئوية. وبالمعدل الحالي البالغ 40 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وقد ينفد هذا الرصيد بحلول عام 2028. ولهذا فإن هذه الحرب تُهدد بترسيخ جيل آخر من الاعتماد على الكربون. كما أن فهم ما يجري في الشرق الأوسط بات أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ولعل القانون الدولي الإنساني يهدف إلى حماية السكان المدنيين أثناء النزاعات المسلحة وضمان بقائهم على قيد الحياة. ومن ثم، يسعى إلى حماية البيئة الطبيعية التي من دونها تكون الحياة البشرية مستحيلة.
وصور الأقمار الصناعية أظهرت انتشار ما يشبه غيمة سوداء كثيفة فوق مصافي المناطق التي تعرضت لقصف خاصة حقول النفط سواء في إيران أو الدول الخليجية التي تعرضت للقصف، امتدت على مساحة تقارب عدة كيلومترات مربعة، إلى جانب سحابة سوداء انتشرا على مساحات كبيرة.
ويمثل هذا الغاز أحد أبرز الملوثات الهوائية المرتبطة بالعمليات الصناعية والحرائق النفطية، إذ يؤدي ارتفاع تركيزه في الهواء إلى تهيّج الجهاز التنفسي وتضيّق الشعب الهوائية، كما يزيد من حدة نوبات الربو والتهابات القصبات.
وتزداد خطورة هذه الانبعاثات على الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال وكبار السن، إضافة إلى مرضى الجهاز التنفسي، الذين يتأثرون بشكل أكبر.
ومع استمرار العمليات العسكرية، تتسع قائمة التأثيرات البيئية، لتشمل مزيجا معقدا من الملوثات الكيميائية والغازات السامة التي تنتشر في الهواء وتنعكس مباشرة على صحة السكان في المناطق القريبة من مواقع العمليات العسكرية ما يؤدي إلى تشكّل غاز مهيّج للرئتين يمكن أن يسبب صعوبات في التنفس وزيادة في نوبات الربو. وبالتالي أضرار بيئية واضحة على التلوث الجوي الدولي.
وفي ايران سُجلت مؤخرا وفق بعض التقارير حالات هطول أمطار ملوثة بمواد كيميائية ناتجة عن التفاعل بين الانبعاثات الصناعية والملوثات الناتجة عن القصف، ما أدى إلى تسجيل آلاف الإصابات بالتهابات تنفسية وحروق كيميائية، خاصة مع تراكم الملوثات في طبقات الجو السفلى وانتقالها لمسافات بعيدة بفعل الرياح.
وفي العمليات العسكرية في البحر وعند استهداف ناقلات نفط أو سفن حربية أو تجارية ، تتزايد المخاوف من تلوث محتمل في مياه الخليج، بعد تعرض العديد منها للقصف خلال العمليات العسكرية الأخيرة، ما يثير مخاوف من تسربات نفطية قد تضر بالنظم البيئية البحرية ومنها مصايد الأسماك والسواحل، فضلا عن انعكاساته الاقتصادية على دول المنطقة.
كما تهدد الهجمات التي تطول منشآت البنية التحتية المائية، مثل محطات تحلية المياه، مصادر الشرب لملايين السكان في المنطقة.
ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد، إذ تمتد آثار التلوث أيضا إلى التربة والموارد المائية الجوفية، حيث قد تتسرب المواد الكيميائية والوقود المحترق إلى باطن الأرض، مسببة تلوثا طويل الأمد يصعب التعامل معه أو معالجته سريعا.
ويؤكد خبراء البيئة أن معالجة آثار التلوث في التربة والمياه الجوفية قد تستغرق سنوات طويلة، إضافة إلى تكاليف باهظة قد تصل إلى عشرات مليارات الدولارات لإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
لا شك أن الحروب تتسبب في إحداث وتوليد أزمات صحية للبيئة وللإنسان وللحيوان، أبرزها الفيروسات والاكتئاب والقلق، والأمراض الجسدية المختلفة وسوء التغذية، والأمراض المعدية، والحمى النزفية، والإصابات الجسدية المباشرة. كما تنتشر الأمراض النفسية المتنوعة طويلة الأمد سواء على الكبار أو الأطفال والنساء.

